أبي منصور الماتريدي

222

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وغيره ، فالمأثم بالقتل وإن زال عنه بالتوبة ؛ فإن القصاص لا يرتفع عنه . وقوله - عزّ وجل - : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى جائز أن يكون أولئك القوم كانوا يخافون على أنفسهم الإهلاك من قومهم بإيمانهم وإجابتهم لنوح عليه السلام ؛ فيخرج قوله : وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى مخرج الأمان لهم أنهم بإيمانهم يبقون إلى الأجل الذي ضرب لهم لو لم يؤمنوا ؛ إذ يكون معناه : أنكم إن أسلمتم بقيتم إلى انقضاء أجلكم المسمى سالمين آمنين ، لا يتهيأ لعدوكم أن يمكر بكم . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، وقال في موضع آخر : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] جائز أن يكون قوله : لا يَسْتَأْخِرُونَ ، أي : لا يتأخرون عن آجالهم أو لا يؤخرون بما يطلبون من التأخير ؛ فيكون في هذا إياس لهم أنهم لا يؤخرون إذا طلبوا التأخير ؛ قال الله تعالى : وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْ لا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ [ المنافقون : 10 ] ؛ فأخبر - جل جلاله - أن الموت إذا أتاه طلب التأخير ليبذل ما طلب منه البذل قبل ذلك من التصدق والإيمان به ، فقطع عنهم طمعهم بقوله : وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها [ المنافقون : 11 ] ، وبقوله : لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [ الأعراف : 34 ] ، وبقوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ . وهذه الآية تنقض على المعتزلة قولهم ؛ لأنهم يقولون بأن رجلا لو جاء وقتل آخر ، فإنما قتله قبل انقضاء أجله ، والله تعالى يقول : لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ، والأصل : أن الله تعالى إذا علم أنه يقتل فإنما يجعل انقضاء أجله بالقتل ليس بغيره ؛ لأنه لا يجوز أن يجعل انقضاء أجله بموته حتف نفسه ، ثم ينقضي أجله بغير ذلك ؛ لأنه « 1 » لو جاز ذلك « 2 » لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب ، والجهل بالعواقب يسقط الربوبية ، ويثبت الجهل . وقوله - عزّ وجل - : لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . أي : لو كنتم تعلمون ما يحل بكم من الندامة عند انقضاء آجالكم ، لكنتم تبذلون للحال ما أريد منكم ؛ لئلا يحل بكم العذاب . أو [ أن ] « 3 » يكون معنى قوله : إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذا جاءَ ، أي : أجل العذاب إذا حل ، وقع

--> ( 1 ) في ب : أنه . ( 2 ) في ب : هذا . ( 3 ) سقط في ب .